أحمد زكي صفوت

9

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

فإن بعض ما يكره الناس - ما لم يتعدّ الحقّ ، وكانت عواقبه تؤدى إلى ظهور العدل ، وعزّ الدين - خير من كثير مما يحبه الناس ، إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور ، وذلّ المؤمنين ، وعزّ الفاجرين ، واقتد بما جاء عن أئمة العدل ، فقد جاء عنهم : « إنه لا يصلح الكذب إلا في حرب أو إصلاح بين الناس ، فإن الحرب خدعة « 1 » » ولك في ذلك سعة ، إذا كنت محاربا ، ما لم تبطل حقّا . واعلم أن عليّا أباك إنما رغّب الناس عنه إلى معاوية أنه آسى « 2 » بينهم في الفىء ، وسوّى بينهم في العطاء ، فثقل عليهم . واعلم أنك تحارب من حارب اللّه ورسوله في ابتداء الإسلام ، حتى ظهر أمر اللّه ، فلما وحّد الربّ ، ومحق الشّرك ، وعزّ الدين ، أظهروا الإيمان ، وقرءوا القرآن مستهزئين بآياته ، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى ، وأدّوا الفرائض وهم لها كارهون ، فلما رأوا أنه لا يعزّ في الدين إلا الأتقياء الأبرار ، توسّموا بسيمى الصالحين ، ليظن المسلمون بهم خيرا ، فما زالوا بذلك حتى شركوهم في أماناتهم ، وقالوا حسابهم على اللّه ، فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين ، وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين ، وقد منيت بأولئك وبأبنائهم وأشباههم ، واللّه ما زادهم طول العمر إلا غيّا ، ولا زادهم ذلك لأهل الدين إلا مقتا ، فجاهدهم ولا ترض دنيّة ، ولا تقبل خسفا « 3 » ، فإن عليّا لم يجب إلى الحكومة حتى غلب على أمره فأجاب ، وإنهم يعلمون أنه أولى بالأمر إن حكموا بالعدل ، فلما حكموا بالهوى رجع إلى ما كان عليه حتى أتى عليه أجله ، ولا تخرجنّ من حقّ أنت أولى به ، حتى يحول الموت دون ذلك ، والسلام » . ( شرح ابن أبي الحديد م 4 ص : 8 ، والعقد الفريد 1 : 9 ، 2 : 244 )

--> ( 1 ) الحرب خدعة مثلثة الخاء ، وبضمها مع فتح الدال أي تنقضى بخدعة . ( 2 ) آسى بينهم : أي سوى . ( 3 ) ذلا .